المحقق البحراني
263
الكشكول
فظهر بما ذكرنا أن محراب روضة أمير المؤمنين عليه السّلام أقرب إلى القواعد من محراب مسجد الكوفة ، ولعل هذه الاختلافات مبنية على التوسعة في أمر القبلة ولا يبعد أن يكون الأمر والتياسر لأهل العراق لتكون المحاريب المشهورة المبنية فيها في زمن خلفاء الجور لا سيما المسجد الأعظم على هذا الوجه ، ولم يكن يمكنهم اظهار خطأ هؤلاء الفساق فأمروا شيعتهم بالتياسر من تلك المحاريب وعللوه بما عللوه به تقية لئلا يشتهر عنهم الحكم بخطإ من مضى من خلفاء الجور . ويؤيده ما سيأتي وصف مسجد غنا وإن قبلته لقاسطة فهو يومي إلى سائر المساجد في قبلتها شيء ومسجد غنا اليوم غير موجود ، ويؤيده أيضا ما رواه محمد ابن إبراهيم النعماني في كتاب الغيبة عن أبي عقدة عن علي بن الحسن عن الحسن ومحمد بن يوسف عن سعدان بن مسلم عن صباح المزني عن الحرث بن حصيرة عن حبة العرني قال : قال أمير المؤمنين عليه السّلام : كأني أنظر إلى شيعتنا بمسجد الكوفة وقد ضربوا الفساطيط يعلمون . . . . . . كما أنزل ، أما أن قائمنا إذا قام كسره وسوى قبلته ، على أنه لا يعلم بقاء البناء الذي كان على عهد أمير المؤمنين بل تدل بعض الأخبار على عدمه وتغييره كما قد رواه الشيخ في كتاب الغيبة عن الفضل بن شاذان عن علي بن الحكم عن الربيع بن محمد المسلمي عن ابن طريف عن ابن نباتة قال : قال أمير المؤمنين عليه السّلام : في حديث له حتى انتهى إلى مسجد الكوفة وكان مبنيا بخزف ودنان وطين فقال : ويل لمن هدمك وويل لمن سهل هدمك وويل لبانيك بالمبلوخ المغير قبلة نوح ، طوبى لمن شهد هدمك مع قائم أهل بيتي أولئك خيار الأمة مع أبرار العترة . وأغرب من جميع ذلك أن مسجد الرسول صلى اللّه عليه وآله وسلّم محرابه على خط نصف النهار مع أنه أظهر المحاريب انتسابا إلى المعصوم ، وهو مخالف للقواعد لانحراف قبلة المدينة عن يسار نصف النهار أي عن نقطة الجنوب إلى المشرق بسبع وثلاثين درجة ، وأيضا مخالف لما هو المشهور من أن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلّم قال : محرابي على الميزاب ومن يقف في المسجد الحرام بإزاء الميزاب يقع الجدي خلف منكبه الأيسر بل قريبا من رأس المنكب ، وكنت متحيرا في ذلك حتى تأملت في عمارة روضة النبي صلى اللّه عليه وآله وسلّم التي فيها قبره الشريف فوجدتها منحرفة ذات اليسار كثيرا وإن لم يكن بهذا المقدار ، وظاهر أن البيوت كانت مبنية بعد المسجد على وفقه فظهر أن محراب المسجد أيضا مما حرف في زمن سلاطين الجور . ويؤيده أن محراب مسجد قبا ومسجد الشجرة وأكثر المساجد القديمة التي رأيتها في المدينة وبين الحرمين أما موافقة للقواعد وقريبة منها مع أن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلّم والأئمة عليهم السّلام صلوا فيها